مجلة عالم الأدباء للأديبة سوزان عبدالقادر
مرحبا بكل السادة الزوار والاعضاء الجدد

وصفــات ودفــاتر:..بقلم الكاتبة صفية قم/ تونس _ مجلة عالم الأدباء

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

وصفــات ودفــاتر:..بقلم الكاتبة صفية قم/ تونس _ مجلة عالم الأدباء

مُساهمة  سوزان عبدالقادر في الأحد سبتمبر 10, 2017 3:22 pm

وصفــات ودفــاتر: قصّة قصيرة

كنتُ غارقة في خلوتي مع بعض أصدقاء عُمْرٍ: ابن طباطبا ومعياره والعسكري وصناعتيه وابن رشيق وعمدته وابن وكيع ومنصفه والثعالبي ويتيمته والآمدي وموازنته والقاضي الجرجاني ووساطته وعبد القاهر الجرجاني وإعجازه...حين رنّ الجرس، فانقطع حبل الوصل بيننا وتلاشت على إيقاع الرّنين الملحاح ما عزمتُ على بيانه من مقاربات ونتائج تخصّ علاقة النصّ بالنصّ في مدوّنة نقد الشّعر القديم. رفعتُ رأسي على مضض لأُفاجأَ برذاذ خفيف قد بلّل شرفة البيت وكراسيها والطّاولة ! إلهي، أَ إلى هذا الحدّ سهوتُ عن عالمي؟ ! بخفّة نزلتُ الدّرج قفزا لأنظر مَن الطّارق.
شابّ في مقتبل العمر، مديد القامة، مفتول العضلات، أشعث أغبر يبادرني بالتحيّة.
ـ السلام عليكم مدامْ ـ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تفضّل !
أمطرني ووالديّ دعاء ليقول لي بصوت خفيت: " بربّي، براسْ والديك أعطيني باش نشري الدّواء لمرتي اللّي عاملة عمليّة في السّبيطار والكتبْ والصبابط لوْلادي !" فوجئتُ بطلباته وأوجعتني طريقة تسوّله وخفتُ من إلحاحه المذلّ وهو الشّاب القادر على العمل، أيّ عمل يرتزق منه فيصون كرامته. تسمّرتُ في مكاني لا أحير عملا: أ أُعطيه ما تيسّر فأكرّسُ فيه الكسل المستشري في شرايينه وأدعم قدرته على التّسوّل بلا حياء أو وجل، أم أعلّمه درسا في ضرورة العمل والاعتماد على النّفس وترك الحيل الممجوجة الّتي ما عادت تنطلي على أحد لكثرة تكرارها حيثما كنت؟ ! انتشلني من حيرتي ومدّ لي من مخلاة يحملها على ظهره وصفات طبيّة مختلفة وأردفها بعدّة دفاتر لنتائج امتحانات تلاميذ التعليم الابتدئيّ. زهدتُ في الوصفات الطبيّة لعسر قراءة ما كُتب عليها وتناولتُ منه الدّفاتر وأنا أسأله في حيرة:" يا ولدي قدّاش عندك من صغير يدرس في الابتدائي؟ واشكون لاهي بهم، ما دام أمّهم في السبيطار؟ ! ارتبك قليلا ثمّ تماسك وقال: "عندي وعندك كلّ خير" ـ إيه، قدّاش؟ ـ خمسة، حاشى عينيك. ـ يا ولدي كيفاش جبتهم، قدّاش عمرك؟ !!! ـ ؟؟؟؟ ـ عاد هاذم ستّة دفاتر؟ ! ـ ماوْ فمّ واحد مِذِّرْ قرى وبطّل ومن بعد رْجعْ يقرى. ـ باهي آش اسمهم أولادك؟ ـ واشْ ادّني مدام بأسَمِيهم؟ ! حليلي هاتي أعطيني إلّي كتبْ من ربّي، يرحم والديك وخلّيني نمشي اندبّر راسي. قلتُ له في حزم وقد أضحى شكّي يقينا بعد قراءة أسماء أصحاب الدّفاتر: آش رايك لو تنسى ها الصّنعة الفاسدة وتخدم على روحك، باش تنجّم تتزوّج وتعيل أسرة بالحلال وعرق الجبين؟ ! نظر إليّ شزرا وقال: "ما فمّاش خْدِمْ، الخدم الكل إِخذوها السّواحليّة، ما خلّوا لنا شيء... شيء..." أجبتُه بهدوء: اتحبْ تخدمْ؟ أضمن لك العمل بلا انقطاع ! ظلّ يُحملق فيّ كأنّي أخاطبه بالصينيّة وانتزع منّي دفاتره الّتي التقطها من هنا وهناك ودسّها في مخلاته. وانشغل عنّي بحفظ وصفات الأدويّة وقد عزّ عليه أن ينصرف خائبا. قلتُ له، وأنا أعلم ردود فعله: ما رأيك في أن تأتي غدا وتساعدني على تنظيف الحديقة وتقليب تربتها وتشذيب بعض أشجارها وأمنحك أجرتك حلالا طيّبا؟ !
اقتحمتني عيناه المتوثّبتان المتّقدتان غيظا حتّى خفتُ أن ينقضّ عليّ فيكسر عظامي، وولّى الأدبار ولسانه يقذف بما لم أتبيّنه... لاحقه صوتي وأنا أغلق الباب: "أنتظرك غدا، في حديقتي وبعده في حدائق جيراني؟؟؟ّ" لم يلتفت حتّى اختفى عن نظري. صعدتُ السلّم وثبا وأنا أبحث عن مأتى الخطإ، أهو فيّ أم في شريحة من المجتمع، نساء ورجالا،على اختلاف الأعمار احترفت التسوّل وأدمنته؟ ! عدتُ إلى أصدقائي الّذين تروق لي مجالستهم، فوجدتهم قد انفضّوا من حولي بعد أن بعثرت نسيمات الخريف شتات أوراقي ! اتّخذتُ لي مجلسا بالشرفة قبالة البحر، علّه يُطهّرني ويُزيح عنّي ما اعتراني من همّ وغمّ... كان رذاذ المطر يلفح وجهي وشعري وأطرافي فأستعذبه وأستزيد... وكانت السّماء الرّحيبة الغائمة قد التحمت بالبحر في عناق رماديّ بليغ البهاء الكئيب فاستوى الماء والماء وسجد الكون من حولي في سكون أخّاذ رهيب. وحده، ذاك العصفور الّذي يقيم في قمّة العمود الكهربائيّ المقابل ظلّ يشدو كما كلّ صباح. ووحدي ظللتُ أصغي إليه وأفكّ شفرات شدوه وهو ينفضُ جناحيه من بلل القطر. كان لا يستقرّ على حال وهو بين أرض وسماء، وبمنقاره يلتقط ما تيسّر له من طعام ثمّ يعود إلى عشّه نشيطا مغرّدا،ثمّ يعيد الكرّة فالكرّة... ظللتُ أرقبه وشبح ذاك الشّاب ينغّص عليّ جمال هذا المشهد المتحرّك الأخّاذ، فيشتدّ جزعي وهاتف يصرخ بي: أهذا الإنسان الّذي كرّمه الله وميّزه على سائر المخلوقات؟ ! أيّ انهيار للإنسانيّة فينا؟ ! ما العمل؟ ! إحساس فظيع بالغبن والقهر والقماءة سكنني ففررتُ بي إلى الدّاخل أنشد مهربا من هذه الهواجس. هممتُ بتنسيق أوراقي المبعثرة لأستأنف عملي، غيْر أنّي وجدتني كمن شُلّت يداه، لا، بل وعقله أيضا. استلقيتُ على الأريكة أنشد بعض راحة ومحاورة ذاتي لم تنقطع: أيّ جدوى من قضاء العمر في قراءة مدوّنة النّقد قديمها وحديثها وتأليف أطروحة في نقد النقد؟ ! أليس الأجدر بي أن أنزل إلى الشّارع الكبير والأسواق والحارات والأزقّة حيث استفحلت الأدواء؟ ! إلى متى ثمّ إلى متى سأظلّ معتكفة في محرابي مع الكتب والأقلام والانترنات؟ ! ارتجّت بي الأرض، كأنّي أستفيق من سبات عميق على أصوات !تصيح وأخرى تستغيث ! أصختُ السّمع. الأصوات تعلو وتعلو، والعويل يشتدّ قربا، حتّى لكانّ القارعة في حديقتي. نهضتُ فزعة ومن الشرفة المطلّة على الشّارع نظرت: أمام بيت جارتي القريبة من بيتي امرأة تستغيث مولولة وحشد من الأطفال والصبيان المدجّجين بعصيّ وهواتف يقذفون أحجارا وحصى هنا وهناك ويصيحون ملء حناجرهم: أمسكوا السّارق، أمسكوا السّارق... إنّه دخل هذا البيت، دخله من هنا، من السور الخلفي وصعد إليه من النافذة... الصبيان متأهّبون لالتقاط صور هذا السّارق وقد اقتحم بعضُ الجيران البيت مفتّشين حذرين... كنتُ كمن في وضح النّهار يتابع بلهفة شريط رعب ـ على كرهي لهذا النوع ـ دون أن أجرؤ على النّزول من شرفتي الحصينة ! وكانت دقّات قلبي تزداد سرعتها، كأنّ السّارق في بيتي، كأنّني أُصبْتُ بخرس لا فكاك منه ! علا صراخ الرّجال وتسارع ركض الأطفال والجارة لم تنقطع عن الصّياح وطلب النجدة... غالبتُ جُبني والتحمتُ بالحشود الرّاكضة من هنا وهناك، المتسائلة عن الحدث. سمعنا صرير أبواب تغلّق بقوّة ورأينا نوافذَ تُفتّح على مصراعيها ولا أثر لسارق ظنّه كثيرون مزعوما ! وبينما كان الجميع بين مدّ وجزر وتصديق وتكذيب إذ أطلق الرّجال صرخات مدوّية:" إنّه هنا، إنّه متقرفص كجرذ وراء صناديق غرفة المؤونة... سُدّوا دونه جميعَ المنافذ واحذروه قد يكون متسلّحا وإن بمدية، انتبهوا جيّدا... هيّا تقدّموا وامسكوا به !" ظلّ الجميع ينتظرون على مضض ورهبة الإمساك به، منكرين وجود سارق بينهم ومحتجّين على ما يحدث في البلاد جهارا من انتهاك الحرمات واقتحام البيوت واستيلاء على الممتلكات... ساد صمت بعد أن سُمعت زغاريد النّسوة وسكن أهل البيت ! اشرأبّت الأعناق مستطلعة، فإذا بكوكبة من الرّجال يتقدّمهم أربعة شداد غلاظ وقد غلّوا يَدَي السّارق إلى الخلف وقادوه محنيّ الظّهر، مطأطئ الهامة، ذليلا. التفّ الجميع بهم وتبارى البعض في التقاط صور"تذكاريّة" لحدث بكر لم يعرف الحيّ مثله ! دوّت صفّارة سيّارة الأمن معلنة الحضور فتنفّست الحشود الصّعداء وظلّ بعضهم يسبّ جهرا العباد ويلعن ما آلت إليه البلاد. اقتيد السارق إلى السيّارة منتصب القامة بعد أن طلب رجال الأمن من المحتشدين أن يتفرّقوا. وما أن لمحتُه حتّى تجمّدت دمائي وفقدتُ القدرة على الكلام... غير مصدّقة ما رأيتُ تقدّمتُ نحوه... " إنّه هو ! إنّه هو ! إنّه هو... !" ظللتُ أصرخ في هستيريا ورعب... التفتَ نحوي وبنظرة حادة كالسّيف حدجني، وبحركات رأسه المتشنّجة أشار إليّ وزعق: " الكلْ مِنِّكْ يا مدَامْ، الكلْ منِّكْ، الله، لا تباركْ لكْ... الله ينتقمْ مِنِّ...كْ ! " استدارت كلّ الرّؤوس نحوي وحاصرتني عيونٌ تتّقد دهشة وغضبا وحيرة... لم ينبس أحد بكلمة واحدة. ظلّت أفواههم فاغرة، بينما اقتادني عونا الأمن معه إلى السيّارة الّتي طارت بنا لا تلوي على شيء...

هرقلة، في 7 و8 سبتمبر 2017

سوزان عبدالقادر

عدد المساهمات : 193
تاريخ التسجيل : 30/07/2017

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى